المشاركات الشائعة

الجمعة، أغسطس 08، 2014

( 512 ) اهدار الحقيقة وامتهان التاريخ

صدر العدد الاول فى يناير 2010  
الاديب والشاعر فاروق جويدة 



  لقد اصبح الاعتداء على التاريخ ظاهرة مصرية تعكس خللا فى الرؤى وانفصاما فى لغة التعامل مع حقائق الزمن والبشر والأشياء
إهدار الحقيقة وامتهان التاريخ
فاروق جويدة :
الخديو اسماعيل 

لا يوجد شعب إساء لتاريخه وشوه رموزه كما فعل المصريون .. وللأسف الشديد ان هذه الظاهرة المؤسفة امتدت عبر التاريخ المصرى قديمه وحديثه
 وكانت مثار خلافات وجدل بين اصحاب الفكر والرؤى .. فى العصور القديمة كان الحكام المصريون يسرقون الأدوار من بعضهم ويغيرون تسجيل الأحداث على جدران المعابد، وفى تاريخنا الحديث لا يوجد حدث واحد او رمز كبير إلا واختلفنا حوله وانقسمت الجموع بين مؤيد ومعارض وبقدر ما كان للبعض حواريون بقدر ما كان للبعض الآخر معارضون، وما بين التأييد الأعمى والرفض المطلق وقف التاريخ المصرى حائرا بين من زيف ومن غالط الحقيقة وفى كل الحالات كان التاريخ هو الضحية ..
فى الأيام القليلة الماضية وقف تاريخ مصر بكل زهوه ورصيده الحضارى والإبداعى يتساءل، ماذا فعلت لكى تنهال على رأسى كل هذه اللعنات فى واحدة من كبرى الجرائم ضد هذا الشعب عطاء وفكرا؟
لن نبدأ بالقديم ولكن آخر جريمة ضد الحقيقة والتاريخ ان يقال ان ثورة يناير كانت مؤامرة ولم تكن ثورة .. وبكل السذاجة يدعى البعض ان ما حدث فى يناير كان مؤامرة دبرتها اطراف محلية ممثلة فى الإخوان المسلمين واطراف دولية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية .. وهنا يكون السؤال : 

ان اول شهداء هذه الثورة شاب بسيط سقط فى ميدان الأربعين فى مدينة السويس .. ولا اعتقد ان هذا الشاب كان عميلا للمخابرات الأمريكية .. او كان مجندا من إحدى الجهات الخارجية .. ولا اعتقد ايضا ان الملايين التى خرجت يوم 28 يناير فى كل ارجاء مصر قد حركتهم جهات مشبوهة او مؤامرات خارجية .. ولا اعتقد ايضا ان صورة مصر التى نقلتها اجهزة الإعلام العالمية طوال ايام الثورة كانت عملية مرسومة وضعتها مؤسسات خارجية .. ان الانتقال بثورة يناير من دائرة الثورات تاريخيا الى دائرة المؤامرات جريمة كبرى فى حق هذا الشعب ودماء الشهداء .. من حق انصار النظام السابق ان يدافعوا عنه كما ارادوا وبكل الوسائل المشروع منها وغير المشروع ولكن لا ينبغى ابدا ان نهين دماء الشهداء ونشوه صحوة شعب ثار لكرامته دفاعا عن نظام مستبد سقط بإرادة شعبية
اما ان يقال ان ثورة يناير صناعة او مؤامرة اخوانية فهذه مغالطة كبرى لأن الإخوان لم يشاركوا فى الثورة من بدايتها ولأن الإخوان كانوا يتفاوضون مع النظام المخلوع حتى آخر لحظة ولأن الإخوان كانوا جزءا من هذا النظام وطرفا اساسيا فى العملية السياسية طوال ثلاثين عاما حققوا فيها مكاسب مذهلة

شوهوا
 قصة الزعيم عبد الناصر
 ورفيق عمره عبد الحكيم عامر 

ان القول بأن ثورة يناير انجاز إخوانى يعطى للإخوان فوق ما يستحقون لأنه انجاز لا يقدرون عليه ويحرم الشعب صاحب الثورة من حقه المشروع فيها
كان الإخوان جزءا لا يتجزأ من النظام الفاسد المستبد وكانوا الوجه الآخر للحزب الوطنى المنحل، وإذا كان الإخوان قادرين على إسقاط النظام بهذه الصورة فلماذا لم يفعلوها من قبل .. ان النظام السابق هو الذى مهد للإخوان كل ما وصلوا اليه من انجازات سياسية فى الشارع المصرى .. كان عدد الإخوان المسلمين فى عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر 18 الفا وكانت جهات الأمن تعرفهم بالإسم والعنوان وكانت قادرة على التحفظ عليهم فى ساعات .. اما الإنطلاقة الرهيبة للإخوان فى الشارع المصرى فقد جاءت فى ظل النظام السابق، وإذا كان الإخوان المسلمون قد سرقوا الثورة فليس هذا خطأ الشهداء ولكنه خطيئة اطراف اخرى فرطت وتوطأت وهذا كله لا يعنى ان الثورة كانت مؤامرة لأن الحقيقة انها كانت وستبقى لحظة مضيئة فى تاريخ شباب هذا الوطن .


ان الشىء المؤكد ان الحقيقة سوف تظهر فى يوم من الأيام فقد اختلفنا ومازلنا حول ثورة يوليو وهل كانت ثورة ام انقلابا واختلفنا حول زعامة
سعد زغلول لثورة 19 واختلفنا حول احمد عرابى وهل كان بطلا ام مغامرا..وسوف تدخل ثورة يناير دائرة الصراعات لأننا شعب لديه قدرة عجيبة على تشويه كل ما هو رائع وجميل  <لم تكن ثورة يناير الضحية الوحيدة فى الشارع المصرى فى الأيام الأخيرة بل هناك مجزرة اخرى للتاريخ شهدتها كواليس الفن المصرى العريق طوال شهر رمضان من خلال مسلسلات شوهت اجزاء عزيزة من تاريخ هذا الشعب وهو تاريخ
الخديو إسماعيل والزعيم الراحل جمال عبد الناصر 

الزعيم احمد عرابى 

 وكلاهما رمز كبير من رموز مصر كان صاحب مشروع حضارى وانسانى واجتماعى كبير .. كان تاريخ إسماعيل ثورة حضارية فى مجتمع متخلف .. وكانت ثورة عبد الناصر انقلابا اجتماعيا رهيبا غير وجه مصر الإنسانى والاجتماعى واعاد للشعب المغلوب على امره حقه فى حياة كريمة .. ليس المهم فى مشوار الخديوى إسماعيل شخصه ولكن مشروعه .. وليس المهم فى تاريخ عبد الناصر انجازات شخصية ولكن مشروعه لتغيير حياة المصريين والدخول بهم الى عصر وزمان جديد .. ان الفن جزء من التاريخ وهو من اهم واخصب العناصر فى التجربة الإنسانية لأنه يخلط الحقيقة بالحلم والواقع بالخيال .. وفى رمضان شاهدنا واحدة من كبرى الجرائم فى حق التاريخ .. ان الخديو إسماعيل لم يكن بهذه الصورة المشوهة على موائد الخمر والنساء العاريات،بل كان حاكما صاحب مشروع حضارى انجز فيه واخفق فى البعض الآخر، ومثل كل التجارب الإنسانية، كان الخطأ والصواب ابتداء بتغيير حياة المصريين بالأوبرا والبرلمان وقناة السويس وانتهاء بقصة الديون التى بقيت عارا يطاردنا فى كل الأزمنة. اما مسلسل صديق العمر بين ناصر وعامر فقد افتقد الكثير من الحقائق وتوقفت احداثه عند اشياء لا تهم احدا وتحول تاريخ عبد الناصر بكل مراحله الى ايام قليلة فى تاريخ الوحدة بين مصر وسوريا ودخل المسلسل فى متاهات شخصية لا احد يعرف مدى صحتها او دقة مصادرها
لقد اصبح الاعتداء على التاريخ ظاهرة مصرية تعكس خللا فى الرؤى وانفصاما فى لغة التعامل مع حقائق الزمن والبشر والأشياء، وحين سقط مسلسل الخديو فى الابتزال سقط مسلسل عبد الناصر فى دوامة المغالطات وما بين هذا وذاك خسر المشاهد المصرى والعربى فرصة كان من الممكن ان تكون إضافة حقيقية للفن والتاريخ معا .. فلا نحن وجدنا فى المسلسلين فنا جميلا ولا تاريخا حقيقيا وضاع الفن الجميل فى صخب الأحداث المشوهة والشخصيات الباهتة 

< وسط هذا التاريخ المشوه تطل علينا نماذج بشرية كريهة تغير وجه الحياة وترسم امامنا مجتمعا غريبا كأننا لا نعرفه ولا نعيش فيه .. نحن امام اعمال لا تنتمى لقدسية الفن فى رسالته واخلاقياته وثوابته التى يحرص عليها فى قيمه الجمالية والأخلاقية والسلوكية .. بماذا نفسر هذه الهجمة الشرسة على ثوابت الشخصية المصرية .. شهدت مسلسلات رمضان كل انواع الجرائم وكل انواع الخمور والمخدرات وكل النماذج البشرية المشوهة .. والسؤال هنا: كيف يمكن تدمير تاريخ الفن المصرى بهذه الأعمال القبيحة والرديئة والسيئة؟! .. ان الفن الجميل كان دائما احد مقومات الشخصية المصرية وكان من اهم مصادر تميزها .. وكان يمثل احد مصادر القوة والريادة فى حياة المصريين .. ان الاعتداء على الفن المصرى بهذه الصورة الغاشمة لا يمكن ان يكون عملا ارتجاليا او بلا هدف .. ان الملايين التى انفقت على هذه الأعمال الرديئة تحمل هدفا خفيا وهو تشويه تاريخ هذا الشعب وإفساد ذاكرته .. ان جميع المسلسلات انتهت بالقتل والدم ما بين المساجين والهاربين والخارجين على الأمن والقانون، والغريب انه لا يوجد نموذج متوازن فى السلوك او الأخلاق امام العشرات من النماذج المشوهة .. إذا كان ولا بد من تجسيد القبح فيجب ان نفتح طريقا للجمال

على شاشة التليفزيون تمت فى ليلة واحدة ومع نهاية حلقات كل مسلسل هذه الجرائم البشعة فى نهاية الشهر الكريم .. السجينة التى انتقمت من زوجها السابق وزوجته وقطعت جسديهما على الشاشة امام اطفال صغار ينتظرون فرحة العيد بينما الشاشات غارقة فى الدماء .. الابن الذى احرق جسد ابيه على الشاشة، والأخ الذى يقتل شقيقته فى الكباريه ثم ينتقل ليقتل فى مشهد واحد الوزير وابنه ومساعده فى حفل الزواج، ثم نشاهد الخادمة التى احرقت ابنة صاحبة البيت الذى تعمل فيه ثم نراها ترتدى ملابس الإعدام الحمراء، ومع هذا نشاهد الأب الذى يعتدى على ابنته بالضرب حتى تموت، ثم نجد رجل الأعمال النصاب الذى يموت مقتولا على يد عشيقته .. ان إفلاس دراما المسلسلات هى التى وصلت بالأعمال الفنية الى هذا المستوى من السذاجة بحيث يموت جميع ابطال المسلسلات فى ليلة العيد حتى ينتهى المولد 


وما بين مذبحة لثورة يناير تدبر الآن وتتجاهل دماء الشهداء ومذبحة لتاريخ اثنين من اهم حكام هذا الوطن هما عبد الناصر والخديو .. ومذبحة ثالثة للفن المصرى العريق بكل تاريخه ورموزه وتميزه وإهدار لكل القيم والثوابت المصرية فى السلوك والأخلاق وقفت حائرا لماذا نفعل بأنفسنا كل هذا وما هو الهدف ولحساب من ؟؟!!
       لكم احترامى ولمصر الحب كله 
                               عربى السمان

ليست هناك تعليقات: